محسن عقيل

214

طب الإمام الصادق ( ع )

وفي قوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ قال القرطبي : فيه تسع مسائل : الأولى : قوله : يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ يعني العسل ، فقد ورد عن علي ( ع ) أنه قال في تحقيره للدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ( يعني الحرير ) وأشرف شرابه رجيع نحلة ( يعني العسل ) . الثانية : قوله : مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ يريد أنواعه من الأحمر والأبيض والأصفر ، والجامد والسائل ، دليل على أنّ القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء ، كما يختلف باختلاف المراعي . الثالثة : قوله : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ الضمير للعسل ، قاله الجمهور ، أي في العسل شفاء للناس ، وقيل الضمير للقرآن . قال القاضي أبو بكر بن العربي : من قال إنه القرآن بعيد ما أراه يصح عنهم ، ولو صح نقلا لم يصح عقلا فإنّ مساق الكلام كله للعسل . الرابعة : اختلف العلماء في قوله تعالى : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ هل هو على عمومه أم لا ، فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل إنسان ، فقد روي عن ابن عمر ، أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا ، حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلا . وروي أنّ عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له ألا نعالجك ؟ فقال : إيتوني بماء فإنّ اللّه تعالى يقول : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً . ثم قال : إيتوني بعسل فإنّ اللّه تعالى يقول : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ثم قال : إيتوني بزيت فإنّ اللّه تعالى يقول : مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ، فجاؤوه بذلك كله فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ . وقالت طائفة إنّ ذلك على الخصوص ولا يقتضي في كل علة وفي كل إنسان بل إنه خبر عن أنّه يشفي ، ففائدة الآية إخبار عنه أنه دواء لما كثر الشفاء به ، وليس بأول لفظ خصص ، فالقرآن مملوء منه ، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص ، والخاص بمعنى العام . الخامسة : الماء حياة كل شيء وقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يضاره . وقد رأينا شفاء العسل ، على أنّ النبي ( ص ) قد حسم الإشكال وأزاح عنه وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل ، فلما أخبره أخوه بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره بعود الشراب فبرئ ، وقال : صدق اللّه وكذب بطن أخيك . السادسة : لسنا نستظهر على قول نبينا ( ص ) بأن يصدقه الأطباء ، بل لو كذبوه لكذبناهم وصدقناه ( ص ) .